حبيب الله الهاشمي الخوئي

256

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

السّادس أنّه ( بكَّر فاستكثر من جمع ما قلّ منه خير ممّا كثر ) يعني أنّه أسرع وبادر في كلّ صباح ، وهو كناية من شدة اهتمامه وطلبه في كلّ يوم أو في أوّل العمر إلى جمع شيء فاستكثر منه ما قليله خير من كثيره ، أو قلَّته خير من كثرته ، والمراد بذلك الشيء إمّا زهرات ( 1 ) الدّنيا وأسبابها ، ويؤيّده مناسبته لما قبله يعني أنّه لم يطلب العلم ولكن طلب أسباب الدّنيا التي قليلها خير من كثيرها ، هذا إن كان جمعها على وجه الحلال وإلَّا فلا خير فيه أصلا ، وإمّا الشبهات المضلَّة والآراء الفاسدة والعقائد الباطلة ويؤيّده زيادة ارتباط ذلك بما بعده ، وعلى التّقديرين فيه تنبيه على غاية بعده عن الحقّ والعلم لرسوخ الباطل في طبعه وثبوته في ذهنه . السّابع ما يترتّب على بكوره واستكثاره من جمع الشّبهات ، وهو ما أشار إليه بقوله : ( حتّى إذا ارتوى من آجن ) يعني حصل له الامتلاء من شرب الماء الآجن المتعفّن ( واكتنز ) أي اجتمع له العلوم الباطلة ( من غير طائل ) ولا فائدة يتصوّر فيها ( جلس بين النّاس قاضيا ) استعار الآجن للشّبهات الفاسدة والأفكار الباطلة والعلوم الحاصلة له من الاستحسانات والأقيسة ، كما يستعار عن العلوم الحقيقية والمعارف اليقينية بالماء الصّافي الزّلال ، ثمّ وشح تلك الاستعارة بذكر الارتواء وجعل غايته المشار إليها من ذلك الاستكثار جلوسه بين النّاس قاضيا . الثّامن كونه ( ضامنا لتخليص ما التبس على غيره ) لوثوقه من نفسه بفصل ما بين النّاس من الخصومات والمرافعات وظنّه القابليّة لقطع المنازعات ، ومنشأ ذلك الوثوق والاطمينان هو زعمه أن العلوم الحاصلة له من آرائه الفاسدة وأقيسته الباطلة علوم كاملة كافية في تخليص الملتبسات وتخليص المشكلات مع أنّها ليست بذلك . التّاسع ما أشار إليه بقوله : ( فان نزلت به إحدى المبهمات هيّألها حشوا

--> ( 1 ) زهرة الدنيا بهجتها ونضارتها وحسنها ق .